ابن كثير

473

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يحيى بن أبي بكير ، حدثنا عبيد بن إياد بن لقيط ، قال : سمعت أبي يذكر عن حذيفة قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الساعة ، فقال « علمها عند ربي عز وجل لا يجليها لوقتها إلا هو ، ولكن سأخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها ، إن بين يديها فتنة وهرجا » قالوا : يا رسول اللّه الفتنة قد عرفناها فما الهرج ؟ قال « بلسان الحبشة القتل » قال « ويلقى بين الناس التناكر ، فلا يكاد أحد يعرف أحدا » لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه . وقال وكيع : حدثنا ابن أبي خالد عن طارق بن شهاب قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يزال يذكر من شأن الساعة حتى نزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها الآية ، ورواه النسائي من حديث عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالد به ، وهذا إسناد جيد قوي ، فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد صلوات اللّه عليه وسلامه نبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة والعاقب والمقفى والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه ، مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد رضي اللّه عنهما « بعثت أنا والساعة كهاتين » وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها « 2 » ، ومع هذا كله قد أمره اللّه أن يرد علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها ، فقال قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 188 ] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 188 ) أمره اللّه تعالى أن يفوض الأمور إليه ، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه اللّه عليه ، كما قال تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً [ الجن : 26 ] الآية . وقوله وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ قال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن مجاهد وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ قال : لو كنت أعلم متى أموت لعملت عملا صالحا ، وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وقال مثله ابن جريج ، وفيه نظر لأن عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان ديمة « 3 » ، وفي رواية : كان إذا عمل عملا أثبته « 4 » ، فجميع عمله كان على منوال واحد كأنه ينظر إلى اللّه عز وجل في جميع أحواله ، اللهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك ، واللّه أعلم . والأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ

--> ( 1 ) المسند 5 / 389 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 39 ، ومسلم في الجمعة حديث 37 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الصوم باب 64 ، ومسلم في المسافرين حديث 217 . ( 4 ) أخرجه مسلم في المسافرين حديث 141 ، 215 ، وأبو داود في التطوع باب 27 .